أبي منصور الماتريدي

168

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ ، سمى عزّ وجل جميع كتبه نورا وهدى ، وهو نور من الظلمات ، أي : يرفع الشبهات « 1 » ،

--> - تعالى : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [ النور : 2 ] . ينظر تاج العروس ولسان العرب ، مادة : « رجم » والقوانين الفقهية لابن جزي ص 232 . القصاص : أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل . كذا في المغرب . وفي الصحاح : القصاص : القود ، وقد أقص الأمير فلانا من فلان إذا اقتص منه فجرحه مثل جرحه أو قتله . وقد اضطربت القوانين الوضعية في هذا القصاص ، واختلفت أنظار المفكرين في جوازه أو عدمه ، وأخذ كل يدافع عن فكرته ، ويحاجج عن رأيه ، حتى رمى بعض الغلاة الإسلام بالعنف في تقرير هذه العقوبة ، وقالوا : إنها غير صالحة لهذا الزمن ، وقد نسوا أن الإسلام جاء في ذلك بما يصلح البشر على مر الزمن مهما بلغوا في الرقي ، وتقدموا في الحضارة . وقد كانت هذه العقوبة موجودة قبل الإسلام ، ولكن كان للإسراف فيها ضرره البالغ ، فحد الإسلام من غلوائها ، وقصر من عدوانها ، ومنع الإسراف فيها ، فقال تعالى : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً [ الإسراء : 33 ] فلم يبح دم من لم يشترك في القتل قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى [ البقرة : 178 ] وقال عزّ من قائل وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ . . . [ المائدة : 45 ] الآية ، ولكنه أفسح المجال للفصل بين الناس ، وترك للجماعة الراقية مع ذلك أن ترى خيرا في العفو عن الجاني فقال فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [ المائدة : 45 ] على أن العقلاء الذين خبروا الحوادث ، وعركوا الأمور ، ودرسوا طبائع النفوس البشرية ونزعاتها وغرائزها ، قد هداهم تفكيرهم الصحيح إلى صلاح هذه العقوبة ؛ لإنتاج الغاية المقصودة ، وهي إقرار الأمن وطمأنة النفوس ، ودرء العدوان والبغي ، وإنقاذ كثيرين من الهلاك ، قال تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ [ البقرة : 179 ] . ولقد فهم أولو الألباب هذه الحكم البالغة ، وقدروها حق قدرها ، وها نحن أولاء نرى اليوم أن الأمم التي ألغت هذه العقوبة عادت إلى تقريرها لما رأته في ذلك من المصلحة . وأمكننا الآن أن نقول إنه ليس هناك من خلاف كبير بين الإسلام والقوانين الوضعية في هذا الموضوع . أما القصاص في غير القتل مما ورد في الآية الكريمة وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فهو في غاية الحكمة والعدالة ؛ إذ لو لم يكن الأمر كذلك لاعتدى القوي على الضعيف ، وشوه خلقته ، وفعل به ما أمكنته الفرصة لا يخشى من وراء ذلك ضررا يناله أو شرا يصيبه ، ولو اقتصر الأمر على الديات كما هو الحال في القوانين الوضعية لكان سهلا على الباغي يسيرا على الجاني ، ولتنازل الإنسان عن شيء من ماله في سبيل تعجيز عضو وتشويهه ما دامت القوة في يده ، ولكنه لو عرف أن ما يناله بالسوء من أعضاء عدوه سيصيب أعضاءه مثله كذلك ، لانكمش وارتدع وسلموا جميعا من الشر . ينظر الصحاح ( 3 / 1052 ) ، القاموس المحيط ( 2 / 324 ) ، المغرب ( 2 / 182 ) . ( 1 ) الشبهات جمع شبهة وهي لغة : من أشبه الشيء الشيء أي : ماثله في صفاته . والشّبه ، والشّبه ، والشبيه ، المثل . والجمع : أشباه ، والتشبيه : التمثيل . والشبهة المأخذ الملبس والأمور المشتبهة أي : المشكلة لشبه بعضها ببعض . واصطلاحا هي : ما لم يتيقن كونه حراما أو حلالا ، أو ما جهل تحليله على الحقيقة ، وتحريمه -